الأصوات

“من يقرأ الماضي بطريقة خاطئة سوف يرى الحاضر و المستقبل بطريقة خاطئة أيضا
و لذلك لا بد أن نعرف ما حصل كى نتجنب وقوع الأخطاء مرة أخرى
و من الغباء أن يدفع الانسان ثمن الخطأ الواحد مرتين
-عبد الرحمن منيف-

في سعيها إلى الحقيقة، اجتمعت تسع نساء تونسيات من مختلف الأجيال في إطار مشروع “أصوات الذاكرة” بدعم من المركز الدولي للعدالة الانتقالية وجامعة برمنغهام، وكل واحدة منهن تحمل في داخلهن تجارب وقصصا لم يتم التصويت عليها من قبل، وجميعهن يحلمن بمستقبل خال من الظلم ومليئ بالتسامح.

وعلى الرغم من اختلاف أعمارهم وخلفياتهم، فقد اتحدوا في سعيهم لكشف الحقيقة وتحقيق العدالة من خلال الدعوة إلى إعادة تأهيل النساء ضحايا الديكتاتورية لضمان عدم تكرار انتهاكات الماضي. بدأت أفكارهم تتطور في حين أن الروابط بين الجيلين نمت أقوى وأعمق. وقد عانى جزء من المجموعة من الظلم، وكان الآخر يتوق إلى الحرية والعدالة. كان كلا الجيلين يتوقان إلى الحب والحياة، على الرغم من الذكريات المرهقة عن الاستبداد والقمع اللذين مرا بها.

وقد أتاحت ورش العمل والزيارات التي استمرت لأكثر من عام في مختلف مناطق تونس للمجموعة تعزيز روابطها وقيم التسامح والقبول، بالإضافة إلى بناء الجسور بين الماضي والحاضر. تهدف “أصوات الذاكرة”، وهي تجربة إنسانية عميقة تعكس ديناميكيات التعاون بين الأجيال، إلى تسليط الضوء على كيف يمكن للاعتراف بالمعاناة أن يصبح حافزا للأمل والتغيير.

هالة بوجناح ، ناشطة في مجال حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية

القمع كان لفترة طويلة هاجسا بالنسبة لي. وبالإضافة إلى مشاعر الظلم والألم التي يسببها، يجعلني أتساءل لماذا يلجأ بعض الناس إلى القمع، في حين يمكن حل المشاكل بطريقة أكثر فعالية، ويمكن أن يكون الحكم أكثر نجاحا من خلال الحوار والاحترام.

وأعتقد أنه من الضروري ألا يقتصر الحوار على شعب جيل واحد. وينبغي أن تمتد لتشمل مختلف الأجيال، التي يمكن أن تساعد على ضمان اتصال أفضل ورؤى أفضل في الألم والغضب جنبا إلى جنب مع توقعات أفضل من مختلف الأجيال. وبالتالي، فإن هذا سوف يتوج بالتسامح والمصالحة، نفس القيم التي طمسها النظام الديكتاتوري.

وفيما يتعلق بي، يكرس هذا المعرض جهود التشاور والتنوع في إعداده، بمشاركة مجموعة من النساء التونسيات: حاملات الأفكار المختلفة والخبرات الواقعية التي يتم روها من وجهة نظر مختلف الأعمار.

كما يمثل المعرض مشروعا لإحياء ذكرى وتفاهم وبناء جسر يربط الماضي بالحاضر والمستقبل. من أجل التعبير عن كل هذه الجوانب، اخترنا “كوفا” (السلة).

تتمتع كوفا بأهمية رمزية قوية في تونس نظرا لأصالتها واستخدامها اليومي. في الواقع، إن تعبير “أخذ السلة”، على سبيل المثال، يرمز إلى الشعب التونسي، دعاة النظام السابق الذي كان واجبه الرئيسي يتمثل في الوشاية بجيرانه وأصدقائه وأقاربه، والإبلاغ عن أي شيء يصل إلى علمه إلى أجهزة الأمن الديكتاتورية من أجل الحصول على امتيازات أو فوائد مادية أو غير مادية. وأدى ذلك إلى وقوع انتهاكات لحقوق الإنسان في صفوف كثير من الناس. وكوفا له أيضا أهمية أخرى داخل الذاكرة الجماعية. إنه رمز للمعاناة والتضحية والقوة والنضال من أجل البقاء.

حسنة بنعبيد ، مهندس اول بوزارة الفلاحة ، متقاعدة

62 عاما، زوجة سجين سياسي سابق، بدون أطفال بسبب الظلم الذي لحق بنظامي بورقيبة وبن علي.

وهن ناشطة في المجتمع المدني، وهي عضو في العديد من الجمعيات، بما في ذلك فرع منظمة العفو الدولية في كيليبيا، ومرصد السجناء التونسيين، وشبكة العدالة الانتقالية التونسية، وجمعية الكرامة، وعضو مؤسس في شبكة العدالة الانتقالية.

القمع يؤدي إلى تدمير السيارات التي بدورها يولد الإحباط الداخلي. وردا على ذلك، أبحث باستمرار عن الإيمان والتصميم على البقاء على الطريق الصحيح. ومن خلال هذا المشروع، ساهمنا في كشف الحقيقة. بالنسبة لي، كان بمثابة شكل من أشكال العلاج.

في ظل الأنظمة القمعية السابقة، كانت سلة كوفا، السلة التونسية التقليدية، وسيلة الاتصال بين السجين وعائلته. وهكذا يقف كوفا كرمز للحب والراحة والأمل. مع هذا المعرض الذي يركز على كوفا ونحن في ذكرى الماضي وجزء من تاريخنا أن الجميع يجب أن نعرف وأنه يجب علينا ألا ننسى أبدا. ومن خلال الحوار بين الأجيال، تمكنا من تبادل الأفكار التي تساعدنا على التعرف على الماضي الصعب واكتشاف سبل العمل معا لمكافحة الإفلات من العقاب.

منيرة بن قدور أرملة التومي ام لطفلين وجدة لخمسة أحفاد

ابنة أب تونسي وأم إيطالية، منيرة منغمسة في ثقافتين مختلفتين. تتحدث أربع لغات: العربية والفرنسية والإنجليزية والإيطالية، وكانت لها مهنة طويلة في مجال السياحة، امتدت من العمل مع وكالة سفر إلى منصب المدير العام للفندق.كانت عضوا في “نادي الليونز” خلال الثمانينيات وناشطة في مجال حقوق الإنسان بعد الثورة. وهي تؤمن إيمانا راسخا بقيم التسامح والتضامن، وتحلم بمجتمع يسوده السلام والإخاء.

في بداية عهد بن علي، مثل عدد كبير من التونسيين، كنت شديد الهموم وقبل كل شيء غير مبال بالأمور المتعلقة بالحياة العامة والسياسية لدرجة أنني لم أكن أدرك حتى أننا نعيش في ظل ديكتاتورية استبدادية وقمعية. على مر السنين، حتى الهم كما كنت، تدريجيا، شعرت أن الأمور قد تغيرت وكنا جميعا تحت المراقبة الشديدة. أن “الجدران لها آذان” وأنه كان علينا أن نراقب باستمرار أفعالنا وكلماتنا. اعتقدت أنني لا تواجه أي خطر; حتى اليوم الذي ارتديت فيه الحجاب ثم فهمت أن هذه اللفتة البسيطة اعتبرها نظام بن علي الشمولي عملا من أعمال التمرد، حتى لو لم أتمسك بأي حزب سياسي أو أي جماعة منشقة. بدأت هناك “زيارات ودية” للشرطة “لأخذ أخباري” والانزلاق إلى المحادثة سؤال “بريء” حول ما دفعني إلى ارتداء الحجاب.

كان رد فعلي الأول هو الضحك لأنني وجدت أنه من المضحك أن مثل هذا الجهاز الهام للدولة يمكن أن يكون مهتما بشخص غير ضار مثلي. بعد ذلك بدأت أدرك أن المشاكل لم تؤثر على الآخرين فقط كما اعتقدت في البداية. في ظل نظام قمعي، كان الجميع مذنبين، وخاصة أولئك الذين تجرأوا على تحديه مثلي. وهناك بدأت أشعر بالخوف، خوف غير عقلاني، لا يمكن السيطرة عليه ومنتشر. عشنا في سجن كبير بدون قضبان، ولكن لا يزال سجنا قمعيا وخانقا.

بعد 23 عاما من الصمت القسري، هذا المعرض هو مثل انفجار من الهواء النقي. يمكننا الآن أن نعبر عن أنفسنا بحرية، نحتج بصوت عال، ننتقد علنا، نشجب علنا. وأخيرا، نحن مواطنون نساعد في بناء أمة من المواطنين الأحرار والمتساوين في الحقوق والواجبات، وحيث سيكون لكل فرد، أيا كان، رأي.

خديجة صالح , من مواليد 1963 ، من ولاية قبلي ، مهندسة فلاحية ، ارملة بدون أبناء

لم أكن مسجونا داخل جدران ضيقة خلف قضبان حديدية، لكنني سجنت في الخارج. على ما يبدو، كنت أخوض حياة طبيعية، ولكن في الواقع كنت عالقا في حلقة مفرغة، في انتظار دوري ليتم القبض علي، الانتقال من مركز شرطة إلى آخر لتوقيع “بطاقة المعلومات”. تحملت المضايقات الاقتصادية والحرمان من العمل، حتى أدركت أخيرا أن الاحتجاز سيكون أكثر رحمة علي من الانتظار.

المعرض هو حدث تحريري من القيود الداخلية وشكل من أشكال التعبير عن الحرية التي اكتسبناها بعد الثورة. وما يحدث خلف القضبان وحتى خارج السجون كان من المحرمات، ولم يجرؤ أحد على الحديث عن ذلك؛ بل كان من المحرمات أن يحدث في السجون. كل ما يمكننا فعله هو التلميح إليه بإيماءات سرية واليوم، تحررنا من خوفنا ومن القيود النفسية التي كانت تضطهدنا، وحرة بما يكفي لنقل تجربتنا ليراها الجميع ويسمعونها.

وفي هذه العملية، من الأهمية بمكان إجراء حوار مفتوح بين الأجيال. ومن الضروري أن نزيل الفجوة التي أثرت على الأسر، بسبب القمع الذي تعرضت له، والتي ضاعفت معاناتها. وفي هذا الصدد، من الضروري تحقيق المصالحة بين الجيل الثاني (الأطفال) وماضي الجيل الأول (الوالدين)، وإقناعهم بأن هذا التاريخ هو مجرد لبنة في الحاضر والمستقبل معا، لأنه لا يمكن أن يكون هناك مستقبل بدون صلة بالحاضر.

في هذا المعرض اخترنا كوفا، لأنها ليست مجرد وسيلة لتلبية احتياجات السجناء، بل كانت أيضا جسرا يربط السجناء بالعالم الخارجي، ويعمل كرسول للمشاعر غير المعلنة. وكوفا شاهد حي على المعاناة التي لحقت بالسجون وخارجها.

هبة بن الحاج خليفة ، ناشطة في المجتمع المدني التونسي

ولدت هبة في عام 1987 عندما حدث تغيير تاريخي اعتقد الشعب التونسي أنه تغيير جذري من شأنه أن يقطع العلاقات مع حكم مدى الحياة. عاشت في فقاعة داخل تونس، غير مدركة للظلم الذي لحق بالعديد من النشطاء السياسيين. وتمكنت من متابعة حوادث حوض التعدين في قفصة في عام 2008، من خلال وسائل التواصل الاجتماعي. في تلك اللحظة، اكتشفت اضطهاد النظام ومحاولته إسكات أولئك الذين دافعوا عن حقوقهم.

بدأ نشاطها في المجتمع المدني في عام 2011 وعرضها لتجارب وروايات متعددة قالتها نساء تعرضن لفترة الديكتاتورية.

وهي تؤمن إيمانا راسخا بقوة الفن في هذه القضايا، وانضمت إلى مشروع “أصوات الذاكرة”، حيث ظهرت فكرة إقامة معرض فني يصور تجارب المرأة خلال تلك الفترة. وهذا المشروع، الذي يحمل معه الماضي المؤلم وجروحه، هو محاولة لربط الحاضر والماضي والمستقبل ببناء جسور الاتصال بين الأجيال.

قد يتساءل بعض الناس عن هذا التركيز من كوفا. لا توجد إجابة واحدة على هذا السؤال لأن جميع الإجابات والتفسيرات تتلاقى في ذاكرة أو في صورة تصور الماضي. ولكن من خلال الروايات المختلفة عن “كوفا السجن”، لاحظنا ازدواجية المقاومة غير المشروطة والحب الذي سعت النساء إلى التعبير عنه من خلال وجهات نظر فنية ومبتكرة، حيث يختلط الأمل بالألم.

نجاة القابسي من مواليد صفاقس 1969 ، استاذة، سجينة سياسية

سجنت لمدة ستة أشهر بسبب أنشطتي النقابية عندما كنت طالبا، مما قلب حياتي رأسا على عقب. إن تأثير الاحتجاز وقسوة الديكتاتورية التي شهدها بلدنا خلال التسعينات أعاقا أحلامي وطموحاتي.

أنا فخور بالمشاركة في معرض “أصوات الذاكرة”. يجمع هذا المعرض بين الفن والمعاناة، وهذا يعني الكثير بالنسبة لي من حيث أهدافه والرسالة التي نحاول إيصالها. وهدفنا هو تسليط الضوء بصفة خاصة على ضرورة احترام الحرية الشخصية والاختيار الفردي، مع إيلاء الاعتبار الواجب للطابع الإنساني للسجناء ومعاملتهم معاملة إنسانية.

أعتبر معرض “أصوات الذاكرة” بمثابة اقتباس للفن للمساعدة في تسليط الضوء على المعاناة، وفرصة لإعلام الأطفال والشباب بالانتهاكات التي تعرضت لها النساء في عهد الديكتاتورية والقمع والمعاناة المرتبطة بكوفة. كان كوفا بالنسبة لي ساعي بريد يحمل الحب وينقل قلق عائلتي عني؛ رمز لكرامتي داخل السجن، وعدم إدراك كم كنت مرهقة ومرهقة على عائلتي.

هناء عبدولي

متزوجة تبلغ من العمر 54 عاما من محافظة سيدي بوزيد، رئيسة الممرضات ورئيسة منظمة نسائية وعضو لجنة سيدي بوزيد للنساء والأسر.

أثر القمع خلال فترة الديكتاتورية أثر على عائلتي بأكملها. لمدة 23 عاما من مسيرتي المهنية، لم يتم ترقيتي أبدا. وقد أدى موقف والدي الحازم ضد جميع أشكال الاستبداد والظلم والمحسوبية، إلى جانب المواقف المعادية لسلوك المسؤولين المحليين، إلى سجنه في عام 1969.

بعد زواجي، تعرضت للمضايقة بسبب نشاطي مع النقابات ولأن زوجي كان ناشطا سياسيا ووحدويا عارض النظام. لقد شهدت معاناة الكثير من الأسر التي سجنت حبها بسبب آرائها وآرائها السياسية. واضطر أقارب الأعضاء المسجونين إلى متابعة أحبائهم من السجن إلى السجن، وأخذوا الكوفة. ونتيجة لذلك، أصبح الكوفة السر الذي ربط السجناء بأسرهم وأزواجهم وأمهاتهم وأطفالهم. والسلة جزء من المودة الأسرية التي يحرم منها السجناء، واللمسة المفقودة، والابتسامة النقية والصادقة لأفراد الأسرة؛ أكثر بكثير من البطانية أو الملابس التي يرتدونها لدرء برد الجدران الرطبة.

سلة تقف على توق الأم بالمرارة والزوجة المتألمة والابن الحزين. إن السلة تتعلق بالتوق إلى الحرية، والرغبة في تجاوز الأسوار، والحلم بالتخلص من الألم والإحباط والإذلال. وبما أن السلة ارتبطت بحياة جيل كامل، فمن الضروري نقلها بوسائل مختلفة إلى الأجيال القادمة لتشهد على حقبة من الشمولية والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي أثرت على الكرامة البدنية والمعنوية للناس. وضمنت السلة ألا تمر معاناة المحبطين دون أن يلاحظها أحد، وأن يقف الناس متحدين على أهبة الاستعداد لمواجهة أي تهديد لحرية أي إنسان.

هنيدة جراد ، ناشطة في المجتمع المدني وطالبة في علم النفس

لم يكن للنظام القمعي تأثير مباشر علي، لكنني شهدت ممارسات واحتياطات لم أجد أي رد مرض بشأنها في ذلك الوقت. على سبيل المثال، كان هناك نوع من الملابس أو النشاط المحظور، لكنني لم أستطع أن أفهم لماذا حتى الثورة. هذا هو عندما جئت إلى السيطرة على ما كان غير مرئي وغير مسموع.

لطالما اعتقدت أن الفن موجود لإدامة الحقيقة، وأننا قد نكون قادرين على الكشف عن بعض تلك الحقيقة من خلال الأعمال المعروضة حول المعاناة التي حلت بالعديد من النساء اللواتي لم يكن بالضرورة جزءا من عملية العدالة الانتقالية.

وأعتقد أيضا أننا لن نتمكن من بناء المستقبل دون معالجة أحداث وحوادث الأمس، ولا يمكننا أن نفهم الحاضر دون أن نلتأم إلى دروس الماضي. وهذه هي الطريقة التي يمكننا بها تحويل الحوار بين الأجيال إلى دعامة تساعد على تضميد الجراح وبناء مستقبل مشترك.

وحتى وقت قريب، كانت الكوفة رمزا عاما في صور الشعب التونسي بمختلف استخداماته، بما في ذلك سجن كوفا الذي يحمل أهمية نفسية اجتماعية مختلفة للسجناء وللمسؤولين عن إعداده وأخذه إلى المحتجز.